ابن عجيبة
343
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
والمراد : الحث على استعداد الخيل العتاق التي تربط وتعلف بقصد الجهاد ، وهو من جملة القوة ، فهو من عطف الخاص على العام ، للاعتناء بأمر الخيل لما فيها من الإرهاب . ولذلك قال : تُرْهِبُونَ بِهِ أي : تخوفون بذلك الأعداء ، أو بما ذكر من الخيل المربوطة ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ، يعنى : كفار مكة ، وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ أي : من غيرهم من الكفرة ، كفارس والروم وسائر الكفرة ، لا تَعْلَمُونَهُمُ أي : لا تعرفونهم اليوم ، اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ، وسيمكنكم منهم ، فتقاتلونهم وتملكون ملكهم ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، في شأن الاستعداد وغيره ؛ مما يستعان به على الجهاد ، يُوَفَّ إِلَيْكُمْ جزاؤه ، وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ بتضييع عمل أو نقص أجر ، بل يضاعفه لكم أضعافا كثيرة ، بسبعمائة أو أكثر . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : وأعدوا ، لجهاد القواطع والعلائق التي تعوقكم عن الحضرة ، ما استطعتم من قوة ، وهو العزم على السير من غير التفات ، ومن رباط القلوب في حضرة الحق ، ترهبون به عدو اللّه ، وهو الشيطان ، وعدوكم ، وهي النفس ، وآخرين من دونهم : الحظوظ واللحوظ وخفايا خدع النفوس ، لا تعلمونهم ، اللّه يعلمهم ؛ كالرياء والشرك الخفي ، فإنه يدب دبيب النمل ، وما تنفقوا من شئ يوف إليكم أضعافا مضاعفة ، بالعز الدائم والغنى الأكبر ، وأنتم لا تظلمون . وقال الورتجبي : أعلم اللّه المؤمنين والعارفين استعداد قتل أعداء اللّه ، وسمى آلة القتال بقوة ، وتلك القوة قوة الإلهية ، التي لا ينالها العارف من اللّه إلا بخضوعه بين يديه ، بنعت الفناء في جلاله ، فإذا كان كذلك يلبسه اللّه لباس عظمته ونور كبريائه وهيبته ، ويغريه إلى الدعاء عليهم ، ويجعله منبسطا ، حتى يقول في سره : إلهي خذهم ، فيأخذهم بلحظة ، ويسقطهم صرعى بين يديه بعونه وكرمه ، ويسلى قلب وليه بتفريجه من شرور معارضيه ومنكريه ، وذلك سهم رمى نفوس الهمة عن كنانة الغيرة ، كما رمى نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى منكريه حين قال : « شاهت الوجوه » ، وهذا الرمي من اللّه بقوله : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى . سمعت أن ذا النون المصري رضى اللّه عنه كان في غزو ، وغلب المشركون على المؤمنين ، فقيل له : لو دعوت اللّه ، فنزل عن دابته وسجد ، فهزم المشركون في لحظة ، وأخذوا جميعا ، وأسروا ، وقتلوا . وأيضا : وأعدوا : أي : اقتبسوا من اللّه قوة من قوى صفاته لنفوسكم حتى يقويكم في محاربتها . قال أبو علي الروذباري ، في قوله : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ، فقال : القوة هي الثقة بالله ، قيل ظاهر الآية : إنه الرمي بسهام القسي . وفي الحقيقة : رمى سهام الليالي في الغيب ؛ بالخضوع والاستكانة ، ورمى القلب إلى الحق ؛ معتمدا عليه ، راجعا إليه عما سواه . ه .